الروائع
بسم الله الرحمن الرحيم


سلام الى كل الاحبة_ مرحبا واهلا وسهلا بكم جميعا_ يسر المدير العام للمنتدى_ والذي يعتبر نفسه واحدا منكم._.ان يتقدم بالشكر الجزيل لكل من زار المنتدى ومد يد المساعدة للاخوة القائمين على تسييره وتنظيمه حتى يكون متميزا بالمواضيع الرائعة _لا فرق عنده بين جديدها او قديمها_ كما يتقدم بالشكر والتقدير لكل الاخوة الذين لا يبخلون على المنتدى بالمشاركات ذات المستوى _علمية او ادبية او فنية_ مقياس عظمتها في خلودها وروعتها._.لا تتغير بتغير الزمان او المكان_. السياسة متقلبة لا داعي للخوض فيها._. شكرا لكم على تفهمكم_



بطاقات الائتمان والتكييف الفقهي (2/4)

اذهب الى الأسفل

default بطاقات الائتمان والتكييف الفقهي (2/4)

مُساهمة من طرف شموخ في 30/3/2011, 09:12





بطاقات الائتمان والتكييف الفقهي (2/4)



تكلَّمْنا في العدد السابق عن خمسة مباحثَ مرتبطة بالبطاقة، في تعريفها، وأقسامها، والمنظَّمات الراعية للبطاقة، وأطراف البطاقة الائتمانيَّة مع بيان آلية عملِ البطاقة، وحُكم أخْذ البنك رسومًا على الإصدار والتجديد والاستبدال.



ونستكمل - إنْ شاء الله تعالى - في هذا المقال بيانَ الأحكام الفِقهيَّة المرتبطة بالبطاقة.



المبحث السادس: في تكييف العلاقة بين مصدر البطاقة (البنك) وبين حاملها.

اختلف الباحثون في تكييفِ العلاقة بين مُصدِر البطاقة وبين حاملها إلى أقوال:

القول الأول:

يرى أنَّ العلاقة بين البنك وحامل البطاقة بأنَّه عقْد قرض، سواء استلم حاملُ البطاقة القرْضَ بنفسه، كما في السحْب النقدي، أو كان قرضًا لحامل البطاقة يستحقُّه طرَف ثالث مقابلَ أثمان مبيعاته وخِدماته التي قدَّمها لحامل البطاقة.



حُكم أخْذ العمولة بناءً على هذا التخريج:

أخْذ أيِّ عمولة على القرْض زائدًا عن التكاليفِ الفِعليَّة الحقيقيَّة الذي تَكَّبدها المقرضُ عندَ إقراضه يُعتبَر من الرِّبا الصريح.



ونوقش هذا: بأنَّ العقد كونه يتضمَّن قرضًا، فإنَّ هذا لا يعني أنَّ العلاقة تُكيَّف بأنها قرضٌ فقط؛ وذلك لأكثرَ مِن وجه:



الوجه الأول:

قدمنا في المقال السابق عندَ الكلام على تعريفِ بطاقات الائتمان، بأنَّ هناك فرْقًا بين الائتمان والقرض، فارجع إليه - إنْ شئت.



الوجه الثاني:

أنَّ حقيقة القرض: هو دفْع مال لمَن ينتفع به ويرد بدَلَه، بينما عقد الائتمان قد يوجد ولا يوجد القرْض، كما لو استصدر شخصٌ بطاقةَ الائتمان ولم يحتجْ إلى استخدامِ البطاقة طِيلةَ مدة الصلاحية، أو استخدم البطاقةَ في شراء السلع والخدمات مِن المحال التجارية، ولا يتحقَّق القرض الفعلي إلا في حالة سحْبِ النقود، فلو استبدلَ لفظ القرْض بالدَّيْن لكان أشملَ وأدقَّ.



الوجه الثالث:

أنَّ القرض مِن عقود الإرفاق والإحسان، والبنوك ليستْ محلاًّ لمثل ذلك، بل تهدف جميعُ البنوك والمؤسَّسات المالية المصدِرة للبطاقة الائتمانية إلى الحصولِ على أرباح تفوق الأرباحَ على القروض الرِّبويَّة، إلا أنَّ هذه الفوائد منها ما هو ربا صريح كغرامات التأخير، وفوائد التأجيل، ومنها ما هو مستترٌ داخل ضِمن الرسوم المبالغ فيها في عضوية الاشتراك والتجديد، والسَّحْب النقدي، وغير ذلك.



القول الثاني:

تخريج العقْد بأنَّ مُصدِر البطاقة وكيلٌ لحاملها.

وجهه: أنَّ حامل البطاقة قد وكَّل المصدِر بأن يُسدِّد عنه لدى التاجر الذي سيشتري منه، على أن يُعيد إليه ما دفَع خلال فترة لاحقة، وأخذ العوض على الوكالة جائزٌ، ويتمثَّل العوض على الوكالة عن طريقِ الرسوم السنوية للاشتراك والتجديد.



حُكم أخْذ العمولة بناءً على هذا التكييف:

التوكيل بعوض جائزٌ بلا خلاف، وهو من باب الإجارة، وقد كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يبعث عمَّاله لقبض الصدقات، ويجعل لهم جُعْلاً.



مناقشة هذا التخريج:

الوكالة نيابةٌ في الأداء، وليس في التحمُّل، والتاجِر عندما قَبِل حامل البطاقة وهو لا يعرفه، لم يقبلْ أن يكونَ البنك نائبًا في الأداء فقط عن حاملِ البطاقة، وإنما قَبِله لأنَّه نائبٌ في التحمُّل، وأنَّ ذِمَّة المصرف أصبحتْ مشغولةً بالدين الأصلي الذي على العميل، وهذا حقيقةُ الضمان، فهو ضمُّ ذِمَّة الكفيل إلى ذِمَّة الأصيل في الدَّيْن.



وإذا كان التاجرُ مضمونًا له، فمَن المضمون عنه إن لم يكن حاملَ البطاقة؟ ومَن الضامن إن لم يكن البنك؟ فرجعتِ العلاقة بين حامل البطاقة وبيْن البنك إلى عقْد الضمان.



وعلى التنزُّل فإنَّ تخريجَ العقد على أنَّه وكالة قد قَبِله بعضُ الباحثين في حالتَيْن:

الحال الأولى:

أن يرضَى التاجرُ بتأخيرِ السداد إلى حين تحصيل البنك لديونه مِن العميل، ثم يقوم البنك بسدادها للتاجرِ نيابةً عن العميل، وهذا غيرُ معمول به في الواقع، فالتجَّار لا يَقْبلون التأخيرَ في استلام الاستحقاقات الواجبة.



الحال الثانية:

أن يكونَ الائتمان مُغطًّى، بحيث يكون للعميل رصيدٌ لدَى مصدر البطاقة، وقد فوَّض العميلُ البنك للسحْب مِن رصيده الذي لديه عندَ استعمال البطاقة.



فهذا يُلحِقه كثيرٌ من الباحثين بعقْد الوكالة، وإنْ كنتُ أخالفهم في هذا، وأرى أنَّ العقدَ عقدُ ضمان، وإنْ كان الرصيد مغطًّى؛ لما يلي:

أولاً: أنَّ غطاء الائتمان يأخُذُه البنك ويتملَّكه، ويستثمره، فيكون التكييف حقيقةً: أنَّ الضامن مدينٌ للمضمون عنه بمِثل مال الضمان إنْ كان الائتمان مُغطًّى كليًّا، أو مدين ببعضه إنْ كان جزئيًّا، ثم تحدُث المقاصة بين الدَّيْنَيْن إن تحمَّل المصرف دفْع قِيمة الضمان؛ لأنَّ المال المغطَّى لا يكون مُجمَّدًا لا يتصرَّف فيه البنكُ حتى يكونَ وكيلاً نائبًا عن المالك، وإنَّما هو مقترضٌ لقيمة الغطاء.



ثانيًا: أنه لا تلازمَ بيْن الغطاء وجودًا وعدمًا مِن جِهة، وبيْن الكفالة والوكالة من جِهة ثانية، فقد يكون العقدُ كفالةً رغم وجود الغطاء، وقد يكون وكالةً رغم عدم الغطاء، والذي يقتضي هذا أو ذاك حقيقةُ العقد، فإنْ كان المصرِف نائبًا عن الشخص في الأداء فقط، ولا يستطيع التاجرُ أن يُطالب المصرف بالتحمُّلِ كان العقد وكالةً حتى ولو لم يوجدِ الغطاء، وإنْ كانت ذِمَّة المصرف مشغولةً في تحمُّل الحق، وليس لكونِه نائبًا في الأداء فقط، فإنَّ العقد عقدُ ضمان، ولو وُجِد الغطاء.



القول الثالث:

تكييف العقد بأنَّه حَوَالة، ويذهب إلى هذا الشيخُ عبدالله بن منيع، والشيخ الصديق الضرير وغيرهما.

وجه هذا القول:

أنَّ حامل البطاقة عندما يشتري السِّلعةَ أو الخِدمة، يقول للتاجر: أحلتُك على البنك مُصدِر هذه البطاقة بالثمن.



والبنك المُصدِر يقول لحامل البطاقة: خذْ هذه البطاقة، واشترِ بها، ولا تدفع الثمن، وأحِلْ مَن اشتريت منه عليَّ، وأنا أدفع له.



ويقول البنك للتاجر: بايعْ حامل هذه البطاقة، وأنا سأدفَع لك الثمن.



فإذا حصل الشراءُ فقد تمَّتِ الحَوَالة مستوفية لأركانها وشروطها.



أركانها: محيل، ومحال، ومحال عليه.



حكم أخْذ العمولة بناء على هذا التخريج:

الحَوَالة هنا حَوَالة فِقهية، وليستْ حوالة مصرفية، وأخذ العمولة على الحوالة الفقهية لا يجوز، سواء كيفت الحوالة الفقهية بأنَّها بيع، أو أنها عقْد إرفاق، وسيأتي توضيحٌ أكثرُ - إنْ شاء الله تعالى - عندَ الكلام على العلاقة بين التاجر وبين مُصدِر البطاقة.



ويناقش هذا التخريج:

قول البنك للتاجر: بايعْ حاملَ البطاقة وأنا سأدفَع لك، هل هو الْتزام بالدفْع أو وعْد بالدفْع غير ملزم؟ فإنْ كان التزامًا، فهذا هو حقيقةُ الضمان، وهل الضمان إلا التزامٌ بدفع ما على الآخر من دَين؟! فكيف اعتُبِر حَوَالة؟!



وعلى التنزُّل أن تكون حَوَالة، فإنه يصحُّ هذا التخريجُ في حالةٍ واحدة، وهو ما إذا كان المُصدِر للبطاقة مدينًا لحاملِ البطاقة، بحيث يكون له رصيدٌ لدَى البنك، وهو ما اتُّفِق على تسميته بالضمان المغطَّى.



أمَّا في حالة أن يكون الحساب مكشوفًا، فالبنك في هذه الحالة ليس مدينًا لحاملِ البطاقة، فلا يصحُّ تخريجها على أنَّها حَوَالة إلا على مذهب الحنفية الذي لا يشترط أن يكونَ المُحال عليه مدينًا للمحيل.



وقدِ اختَلف العلماء في صحَّة الحَوَالة إذا كان المُحال عليه غيرَ مدين للمحيل إلى ثلاثة أقوال:

فقيل: الحَوَالة صحيحة، وهذا مذهب الحنفية، وقولٌ في مذهب الشافعية، واختاره ابن الماجشون مِن المالكية؛ وذلك لأنَّهم لا يشترطون لصحة الحَوَالة مديونيةَ المُحالِ عليه للمحيل، ويُسمُّونها بالحوالة المطلقة.



وقيل: تُعتبَر الحوالة غيْر صحيحة، وهذا مذهَب الشافعية.



ووجهه: أنَّ الحَوَالة عندَهم بيع، وإذا كانتِ الحَوَالة بيعًا، لم تصحَّ الحَوَالة على مَن لا دَيْن عليه؛ لعدم الاعتياض؛ إذ ليس عليه شيءٌ يجعله عوضًا عن حقِّ المحتال.



وقيل: تُعتبَر كفالة، وهذا مذهبُ المالكية؛ لأنَّ المُحال عليه احتمل سداد الدَّيْن عن المُحيل، وهذا هو الراجِح؛ لأنَّ مقتضى عقد الحَوَالة براءةُ المحيل، وهنا المُحيل وإنْ كان قد برِئ بالنسبة للتاجِر إلا أنَّ ذِمَّته مشغولةٌ بالنسبة لمُصدِر البطاقة؛ إذ إنَّه يطالبه بتسديدِ الدَّيْن الذي أدَّاه نيابةً عنه، ومصدر البطاقة مُلزَم بسداد دَيْن حامل البطاقة، وليس متبرِّعًا، وهذا يدلُّ على أنَّه ضامن.



القول الرابع:

أنَّها مِن قبيل ضمانِ ما لم يجب، وعلى هذا أكثرُ المشايخ والباحثين، منهم الشيخ عبدالستار أبو غدة، والشيخ نزيه حماد، والشيخ محمد بن علي القري، والشيخ عبدالوهاب أبو سليمان.



وجه كون العقْد بينهما عقدَ ضمان:

أنَّ مُصدِر البطاقة قد التزم بأداء أثمان المشتريات بالبطاقة، وسداد الدَّيْن المسحوب على شكلِ نقود، وذلك بموجب الاتِّفاق المبرَم بينه وبين حامِل البطاقة.



وهذا الضمانُ مِن قبيل ضمان الحقِّ قبل وجوبه، وهو ضمانٌ صحيح، ولم يخالفْ فيه إلا الشافعية.



وهو مِن قبيل ضمان المعلوم؛ لأنَّ الضمان مقتصرٌ على مبلغ السَّقْف الائتماني الممنوح لحامِل البطاقة، وهو معلومُ القدْر.



قال السرَخسيُّ: "لو قال: بعْه ما بيْنك وبيْن ألْف درهم، وما بعته من شيءٍ فهو عليَّ إلى ألْف درهم، فباعَه متاعًا بخمسمائة، ثم باعه حِنطةً بخمسمائة لزِم الكفيلَ المالان جميعًا".



وجاء في "السراج الوهَّاج": "ولو قال: ضمنتُ ما لَكَ على زيدٍ مِن درهم إلى عشرة، فالأصحُّ صحَّتُه".



وحتى لو قيل: إنَّ ضمان البطاقات الائتمانيَّة مِن قبيل ضمانِ المجهول، وهذا يُقال على التنزُّل، فإنَّه جائزٌ أيضًا لدَى جمهور الفقهاء مِن الحنفيَّة، والمالكية، والحنابلة، والقديم مِن قول الشافعي - رحمه الله.



وحجتهم: أنَّ الضمانَ مِن قبيل التبرُّع، والتبرُّع يصحُّ مع الجهالة.



وذهَب الشافعيُّ في الجديد إلى عدمِ صحَّة الكفالة بالدَّين المجهول، وهو ما ذهب إليه الثوريُّ، والليث، وابن أبي ليلَى، وابن المنذر وغيرهم.



وجهه: أنَّ الكفَالة التزام دَيْن في الذِّمَّة، والتزام المجهول غررٌ يَنهَى عنه الشارع، فوجَب أن يكون الدَّيْن معلومًا حتى يكونَ الكفيل على بيِّنةٍ من أمره، ومِن قدرته على الوفاء بما التزَمَ به.



حكم أخذ العمولة على الضمان:

لا يجوز أخْذُ عمولة في مقابل الضمان للديون عدَا النفقات والتكاليف الفعليَّة التي تكبَّدها الضامن، وسوف نخصِّص المقال الرابع في حُكم أخذ العوض على الضمان لأهميته، فانظره مشكورًا.



ونوقش هذا:

بأنَّ الأصل في عقْد الضمان: أنَّ المضمون له (التاجر) له أن يطالب الأصيلَ (حامل البطاقة)، وله أن يطالب الضامِن (البنك)، وفي هذا العقد ليس للتاجر أن يطالب المضمونَ عنه؛ وإنما الحق انتقل إلى ذِمَّة البنك (مصدر البطاقة).



ويجاب عن ذلك من وجوه:

الوجه الأول:

أنَّ هذه المسألة خِلافية، فقدِ اختلف الفقهاءُ في عقد الضمان: هل يبرأ المضمونُ عنه بالضمان، أو لصاحبِ الحقِّ مطالبةُ مَن شاء منهما، وقد اختار ابنُ أبي ليلى، وابن شُبرمة، وأبو ثور، وداود وأصحابه بأنَّ المضمون عنه يبرأ بالضمان.



الوجه الثاني:

أنَّ هذا الخلافَ فيما إذا لم يُشترطْ في العقد براءةُ المضمون عنه بالضمان، أمَّا إذا اشترط براءة المضمون عنه بالضمان، والتزم الضامنُ وفاءَ الدَّين مطلقًا، وإن لم تتعذَّر مطالبة المضمون عنه - أنَّ هذا الالتزام مِن الشروط الصحيحة؛ لأنَّ الأصل في الشروط الصحَّة، ولأنَّه لا يوجد محذورٌ شرعي مِن هذا الالتزام، وهذا ما نصَّ عليه الحنفية والمالكية.



جاء في "المبسوط": "إذا كان لرجلٍ على رجلٍ مال، فضَمِنَه له على إبراء الذي عليه الأصل، فهو جائزٌ، والكفيل ضامنٌ للمال، ولا يأخذ الطالبُ المكفولَ عنه بشيء....".



وجاء في "الفواكه الدواني": "لا يغرم ضامنُ المال إلا إذا غاب الغريم... أو شَرَط عليه صاحبُ الدَّيْن الغرمَ، ولو مع حضور الغريم مليًّا".



الوجه الثالث:

قال الشيخ عبدالرحمن الأطرم: "بأنَّه ليس في العقودِ المنظِّمة للبطاقات ما ينصُّ على أنه ليس للقابل أن يطالب حاملَها، وقد تتبعتُ ذلك ولم أعثرْ على شرْط يدلُّ على ذلك الأمر، ومِن هنا جاء اختلافُ القانونيِّين في هذه المسألة فيما لو لم يُسدِّد المُصدِر المبلغَ لقابل البطاقة، هل له أن يرجع على حاملِها أو لا؟".



الراجح من الخلاف:

بعدَ استعراض الأقوال أجِدُ أنَّ أقواها مَن يُكيِّف العلاقة بين مصدر البطاقة وحامل البطاقة على أنَّها مِن قبيل الضمان لحاملها، وهو مِن ضمان المعلوم؛ لأنَّ الضمان مقتصرٌ على مبلغ السقف الائتماني الممنوح لحامل البطاقة، وهو معلوم القدْر.



ومِن ضمان الحقِّ قَبلَ وجوبه، وهو سائغٌ لدَى جمهور الفقهاء، والله أعلم.



المبحث السابع: العلاقة بين التاجر وحامل البطاقة:

العَلاقة بين حامِل البطاقة وبيْن التاجر لا تَخرُج عن أحدِ عقدين: إما أن يكون العقدُ عقدَ بيْع، أو يكون العقد عقدَ إجارة، فإنْ كان العقدُ عقدَ تمليك للسِّلع، فهو مِن عقود البيع، أو كان مِن قبيل تقديم خِدْمات معلومة، فهو مِن عقود الإجارة.



فحامل البطاقة: هو المشتري أو المستأجر.



وقابل البطاقة: هو البائِع أو المؤجِّر.



المبحث الثامن: العلاقة بين التاجِر وبين البنك:

يبرم البنك (مُصدِر البطاقة) اتفاقيةً مع التجار الذين يرغبون في التعامل مع البطاقات البنكيَّة، وتُبيِّن هذه الاتفاقية التزاماتِ الطرفَين تُجاهَ الآخَر، ويتعهَّد مصدر البطاقة بموجب الاتِّفاق بالوفاءِ بجميع المبالِغ المستحقَّة لطرَف التاجر مقابلَ رسومٍ مقطوعة، ومبالغ مخصومة، فما حُكْم أخْذ البنك مُصدِر البطاقة لهذه العمولة؟



وللجواب عن ذلك أقول: الرسومُ التي يأخذها البنكُ مِن التاجر تنقسِم إلى قسمين:

القسم الأول: رسومٌ مقطوعة يأخُذها البنك مقابلَ نِقاط البيع التي يدفَعُها البنكُ للتاجر، وما يلزم لتجهيزِها مِن أوراق، وأحبار، وأدوات، ونحو ذلك، فهذه الرسومُ لا خِلافَ في أخذها وطلب الرِّبح في تقديمها؛ لأنَّها مقابل خِدماتٍ معلومة مباحة، وهي مفصولةٌ عن عملية الضمان، ومفصولةٌ عن فاتورة البيع والشراء.



القسم الثاني: رسوم متعلِّقة في عمليةِ البيع والشراء عن طريقِ بطاقات الائتمان، وذلك بخصْم نِسبة معيَّنة من قسائمِ البيع لصالح مُصدِر البطاقة إنْ كان التاجرُ يتعامل مباشرةً مع البنك الذي أصدر البطاقة، أو يَتقاسمها مُصدِر البطاقة مع بنك التاجِر إنْ كان لدَى التاجر بنكٌ آخَرُ يعمل على تحصيل المبلغ من البنك الذي قام بإصدار البطاقة، وهذا المبلغ يتراوح ما بين (1% إلى 7%)، وغالبًا ما يكون (3%) مِن مجموع مبلغ الفاتورة، ويُعتبَر هذا الدخلُ مِن أهمِّ مصادر الرِّبح لمُصدِري البطاقة، فما تكييفُ هذا المبلغ الذي يأخذُه البنك من التاجِر؟ وهل يُعتبر أخذُه مِن قبيل المال المشروع أو المحرَّم؟



اختلفَ العلماءُ في تكييف العلاقة بين مُصدِر البطاقة وبين أصحاب المحلاَّت التجارية التي قَبِلتِ التعامل مع حاملي البطاقات الائتمانية إلى أقوال:

القول الأول: أنَّ العقد هو تكملةُ عقْدِ الضمان؛ فقد تقدَّم أنَّ العلاقة بين مُصدِر البطاقة (البنك) وبيْن حامل البطاقة، هو عقدُ ضمان لِمَا سوف يجب عليه من الديون بحدودِ مبلغ معيَّن متَّفق عليه، ومعلوم أنَّ الضمان - كما قلنا - أطرافُه الرئيسة ثلاثة:

• فالتاجر: هو المضمون له.

• والبنك (مُصدِر البطاقة): هو الضامن.

• وحامل البطاقة (العميل): هو المضمون عنه.



فالبنك ضامنٌ للتاجر سدادَ ما يجب على حاملِ البطاقة مِن الديون، وقد تضمَّن نصُّ الاتفاقية بين مُصدِري البطاقة وبيْن التاجر على حقيقةِ الضمان، فقد جاء في الاتِّفاق ما نصُّه: "تَعهَّد الطرَفُ الثاني قابل البطاقة أن يُقدِّم إلى الطرف الأول مُصدِر البطاقةَ كشفًا رسميًّا بكلِّ الحسابات والمصاريف المترتِّبة على استخدامِ بطاقة الفيزا، سواء كان الاستخدامُ على شكلِ بضائع، أو خِدْمات، وتُعدُّ تلك الكشوف نافذةً بحقِّ الطرَف الأول مُصدِر البطاقة بمجرَّد اعتمادها وقَبولها، وترتيبًا على ذلك يتمُّ قيد القِيمة الواردة بها لحسابِ الطرَف الثاني، أو دفْعها إليه بالكيفية التي يقبلها الطرفانِ بعْدَ خصْم النسبة المتَّفق عليها".



حُكم أخْذ الزيادة بناءً على هذا التكييف:

اختلَف العلماءُ في حُكم أخذ الزيادة بناءً على هذا التكييف:

فقيل: لا يجوز؛ لأنَّ المبلغ الذي يأخذُه الضامن من التاجِر إنَّما هو في مقابلِ التزامه بالضمان، وأخْذ العوض على ضمانِ الدَّين لا يجوز، لا فرقَ في ذلك بين أن يأخذ الضامنُ العِوض من ربِّ الدَّين، أو مِن المدين، أو مِن رجل أجنبي؛ لأنَّ الضمان سوف يؤدِّي إلى أن يكون فائدةً على القرض، والفائدة على القرْض لا تجوز، إلا أن يكون الضامنُ مدينًا للمضمون عنه بمِثل المبلغ الذي ضَمِنه أو أكثر، وهو ما يُسمَّى بالضمان المغطَّى، فهنا لا يؤدِّي الضمانُ إلى قرضٍ جرَّ نفعًا، والله أعلم.



جاء في "شرح الخرشي": "تبطُل الحَمَالة إذا فسدَتْ نفسها، كما إذا أخذ الضامن جُعلاً من ربِّ الدَّين، أو مِن المدين، أو مِن أجنبي؛ لأنَّه إذا غرم رجَع بما غرمه مع زيادةِ الجُعل، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه سلَف بزيادة".



القول الثاني: ذهب بعضُ أهل العلم إلى جواز أخْذ هذا العوض، ويمكن تخريجُه على صورةٍ نصَّ عليها الحنفية في مدوَّناتهم على الصحيح المُفتَى به في المذهب؛ مِن أنَّ الكفيل بأمر المدين إذا صالَح المكفول له على أنَّه إنْ وهب له بعضَ الدَّين أو أكثره، فإنَّه يعود على المكفول بما ضَمِن، لا بما أدَّى.



كما يمكن تخريجُه على مذهبِ المالكية والحنابلة بأنَّ المضمون له إذا وهبَ الدَّين للضامِن فهو تمليكٌ له، ويرجِع الضامن على المكفول بما كفل، فكذا إذا وهبَه بعضَه.



ويناقش: بأنَّ تخريجَ العمولة على أنَّها نوعٌ مِن صُلح الإسقاط، أو أنَّها مِن قبيل الهِبة للضامن، لا يصحُّ.



أمَّا كونه لا يصحُّ تخريجُه على صُلح الإسقاط؛ فلأنَّ صلح الإسقاط لا يَثبُت إلا بعدَ ثبوت الحقِّ وحين الوفاء، مع الإقرار بجميع الدَّين، وهو إسقاط اختياري لا جَبْرَ فيه، وليس في مقابل شيء، بينما الخَصْم في بطاقات الائتمان مُتَّفق عليه بيْن التاجِر وبين البنك قبلَ نُشوء الحق، والتاجِر مُجبَر عليه لا يَملك المطالبة بجميع الحق، وهو مقابل الضمان للدَّيْن.



وأما كونه لا يصحُّ تخريجُه على أنَّه هِبة؛ فلأنَّ الهبة أيضًا مِن عقود التبرُّع لا إلزام فيها، وهي ليستْ في مقابل شيء، بينما الخصم واجبٌ على التاجر، وفي مقابلِ ضمان الدَّيْن الذي على المشتري.



القول الثالث:

أنَّ العلاقة بين قابِل البطاقة (التاجر) وبين مُصدِرها (البنك)، هي وكالةٌ في تحصيلِ الدَّين مِن المدين (حامل البطاقة).



فالتاجِر (قابل البطاقة) هو الموكل.



ومُصدِر البطاقة (البنك أو المؤسَّسة المالية) هو الوكيل.



والخدمات التي يُقدِّمها مصدِر البطاقة هو القيام بقَبْض الدَّيْن مِن حامل البطاقة وإيداعه في حسابِ قابلِ البطاقة مقابلَ عمولة مُتَّفق عليها، مثله في ذلك مثل توكيلِ مكاتب تحصيل الديون.



حُكْم أخذ الزيادة بناءً على هذا التكييف:

التوكيلُ بعِوض جائزٌ بلا خلاف، وهو مِن باب الإجارة، وقد كان الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يبعث عُمَّالَه لقبض الصدقات، ويجعل لهم جُعلاً.



ويناقش هذا التخريج:

بأنَّ مُصدِر البطاقة (البنك أو المؤسَّسة المالية) قد التزم بالتسديدِ الفوري للدَّينِ قبل تحصيله مِن المدين، وإذا التزم البنكُ أنْ يُؤدِّي للدائن مِن ماله، لم يصحَّ أن يُقال: إنَّ العقد عقدُ وكالة، وإنَّما هو عقدُ كفالة.



وقد أُجيب عن ذلك:

بأنَّه معلومٌ أنَّ الوكيل لا يلزمه أن يدفعَ مِن ماله، ولكن الجهات التي تُصدِر هذه البطاقةَ ترى أنَّ هذا المسار يُسبِّب بطئًا وتعقيدًا في الأمور، ولا يُحقِّق السهولة واليُسرَ في استخدام هذه البطاقة؛ لهذا رأتْ أن تقوم بتسديدِ المبلغ المستحق، ثم تذهب وتطالب العميلَ بما دفعتْه، والغاية منه هو ضبطُ التزامات البنك مع أصحابِ المحلاَّت التجارية والخِدمات؛ إذ لا يستطيعُ البنك ضبطَ مواعيد التحصيل مِن العملاء لكثرتِهم، في حين أنَّه يُمكنه التحكُّم فيما يدفَعه إليهم، ثم يقوم هو بعدَ ذلك بتحصيلِ الدَّيْن، والتاجِر قد لا يصبر فيما لو طلب منه أن ينتظرَ أو يتربصَ إلى حين أن تُحصَّل ديونه على هذا العميل، فمُصدِر البطاقة إنَّما قام بالدفع لاختصارِ الإجراءات، وهذا الأمر موجودٌ في كثير من مجالات الوكالات والسمسرة، فكثيرٌ مِن الذين يستقبلون البضائعَ للبيع بالعمولة لصالح أصحابها مجرَّد أن يتسلَّموا هذه البضائعَ إذا كانتْ سهلةَ التسويق يُقدِّمون الثمن لأصحاب هذه البضائع، ويَقطعون صِلتَهم بهم، ثم يبيعونها هم، ويأخذون الثمنَ ممَّن يشتري منهم.



ويجاب:

ما دام أنَّ البنك قد قام بالسدادِ مِن ماله، والتزم بذلك للمحالِّ التجارية، فإنَّ العقد قد خرَج من كونه توكيلاً في تحصيلِ الدَّين إلى كونه ضامنًا له، بغضِّ النظر عن الدافع الذي دفَع البنك إلى قَبول هذا الالتزام، وقد سبَق أنَّ العقد بين مُصدِر البطاقة وحاملها هو مِن قبيل الضمان، فإذا كان كذلك فإنَّ التاجر هو المضمونُ له في هذا العقد، والله أعلم.



القول الرابع:

أنَّ العقد بين التاجِر وبيْن مُصدِر البطاقة هو عقدُ حَوَالة، فيكون التاجر: مُحالاً، والبنك مُحالاً عليه، وحامل البطاقة هو المُحيل.



وقد نصَّ الحنفيةُ على مِثل هذه الصورة؛ قال السَّرَخْسيُّ: "إذا كان لرجلٍ على رجلٍ مال، فضَمِنه له على إبراءِ الذي عليه الأصل، فهو جائزٌ، والكفيل ضامنٌ للمال، ولا يأخذ الطالبُ المكفول عنه بشيء؛ لأنَّهما أتيَا بمعنى الحَوَالة، وإن لم يصرِّحَا بلفظها، والألفاظ قوالبُ المعاني، والمقصود هو المعنى دون اللفْظ كان العقدُ الذي جرى بينهما حَوَالةً؛ لتصريحهما بموجب الحَوَالة، كمن يقول لغيره: ملَّكتُك هذا الشيء بألف درهم، فيكون بيعًا، وإن لم يُصرِّح بلفظ البيع، والكفالة والحوالة يتقاربانِ مِن حيث إنَّ كلَّ واحد منهما إقراضٌ للذمَّة، والتزام على قصْد التوثُّق، فكما أنَّه لو شرَط في الحَوَالة أنْ يطالب بالمال أيهما شاء، كانتِ الكفالة، فإذا شرَط في الكفالة أن يكون الأصيلُ بريئًا، كانت الحَوَالة".



حُكم أخْذ العِوض بناءً على هذا التكييف:

أخْذ العوض على الحوالة الفِقهيَّة (استثناء مِن الحَوَالة المصرفية) لا يجوز مطلقًا، سواء قُلْنا في تكييف الحوالة: إنَّها مِن قبيل بيع الدَّيْن بالدَّيْن، أو قلنا: إنَّ الحوالة هي استيفاءٌ للحق، وليستْ بيعًا.



فإنْ كُيِّفت الحَوَالة بأنَّها بيع، كان المنعُ مِن أخْذ العوض يرجِع إلى أمرين:

الأول: أنَّ الحوالة إذا كانتْ بيعًا لم تصحَّ على مَن لا دَيْن عليه؛ لعدمِ الاعتياض؛ إذ ليس عليه شيءٌ يجعله عوضًا عن حقِّ المحتال.



الثاني: أنَّ الحَوَالة في حال تكييفها بأنَّها بيع، يبقَى إشكالٌ آخر، فإنَّ الشارع وإن رخَّص بعدم التقابُض في بيع الدراهم بمِثلها في عقد الحَوَالة، كما رخَّص في عقْد القرض، فإنَّ التفاضل في بيع الدراهم بالدراهم لا يجوز، وفي حالِ أخْذ العوض على الحَوَالة سيكون هناك تفاضلٌ قطعًا، فالبنك سيدفَع (98) ويأخُذ مائة مِن حامل البطاقة.



أمَّا إنْ قلنا: إنَّ الحَوَالة هي استيفاءٌ للحق، وليستْ بيعًا، وهو مذهبُ الجمهور، وهو الراجِح، فلا يجوز أخذُ العوض عليه أيضًا.



فقد صرَّح الحنابلةُ والشافعية بأنَّ الحوالة عقدُ إرفاق منفرِد بنفسه، ليس بمحمولٍ على غيره، وليستِ الحَوَالة بيعًا؛ لأنَّها لو كانت بيعًا لما جاز التفرُّقُ قبلَ القبض؛ لأنَّها بيعُ دراهم بدراهم، وإذا كانتْ من عقودِ الإرفاق لم يجُزْ أخْذُ العوض عليها.



جاء في "أسنى المطالب": "الشَّرْط الثالث - يعني: لصحَّة الحَوَالة - اتِّفاق الدينين جِنسًا وقَدْرًا، وحلولاً وتأجيلاً، وصحَّةً وتكسرًا، وجودةً ورداءة، ولو في غيرِ الرِّبوي؛ لأنَّ الحَوَالة ليستْ على حقيقة المعاوضات، وإنَّما هي معاوضةُ إرفاق جُوِّزت للحاجة، فاعتُبر فيها الإرفاق كما في القَرْض".



ولذلك نصَّ المالكية، والشافعية، والحنابلة على اشتراطِ تساوي الدَّيْنَين قدْرًا وصفةً.



وقال ابن رشد في "بداية المجتهد": وللحَوَالة عندَ مالك ثلاثةُ شروط: ...



الثاني: أن يكونَ الدَّيْنُ الذي يحيله به مثلَ الذي يحيله عليه في القَدْر والصفة؛ لأنَّه إذا اختلفَا في أحدهما كان بيعًا ولم يكن حَوَالة، فخرَج من باب الرُّخْصة إلى بابِ البيع، وإذا خرَج إلى بابِ البيع دخلَه الدَّيْنُ بالدَّيْن".



ويقول ابن القيِّم: "ممَّا يُبيِّن أنَّ الحَوَالة على وَفقِ القياس: أنَّ الحَوَالة من جنسِ إيفاءِ الحق، لا مِن جنس البيع، فإنَّ صاحب الحقِّ إذا استوفى من المدين مالَه كان هذا استيفاءً، فإذا أحاله على غيرِه كان قد استوفَى ذلك الدَّيْن عن الدَّيْن الذي في ذِمَّة المحيل؛ ولهذا ذكَر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الحَوَالة في معرِض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: ((مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ، وإذا أُتبع أحدُكم على مليٍّ فلْيَتْبَعْ))، فأَمَر المدين بالوفاء، ونهاه عنِ المطل، وبيَّن أنَّه ظالِم إذا مَطَل، وأمر الغريم بقَبول الوفاء إذا أُحيل على مليّ، وهذا كقوله - تعالى -: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]، فأمر المستحقَّ أن يُطالِب بالمعروف، وأمَر المدين أن يؤدِّي بإحسان، ووفاء الدَّيْن ليس هو البيعَ الخاص، وإنْ كان فيه شوبُ المعاوضة".



ويناقش:

تخريج العقْد بأنَّه عقدُ حَوَالة هذا يصحُّ على مذهب الحنفية فقط، وابن الماجشون مِن المالكية؛ وذلك لأنَّهم لا يشترطون لصحَّة الحوالة مديونية المحال عليه للمحيل، ويُسمُّونها بالحَوَالة المطلَقة.



وأمَّا الجمهورُ من المالكية والشافعية والحنابلة، فعلى أنَّ المحال عليه إذا لم يكن مدينًا للمُحيل، فإنَّ العقد ليس مِن قبيل الحَوَالة، حتى ولو استعمل لفظ الحوالة.



فالمالكية يُعتبرونه مِن باب الضمان.



والشافعية يعتبرونها حَوَالةً فاسدة.



يقول الباجي في "المنتقى": "وأمَّا إذا لم ينعقد بسببه عقْد، ولم يكن للمحيل على المحالِ عليه شيءٌ، فهو على الإطلاقِ حَمَالة عندَ جميع أصحابنا، سواء كانتْ بلفظ الحَوَالة، أو الحَمَالة، إلا ما قاله ابنُ الماجشون أنَّها إنْ كانتْ بلفظ الحوالة، فلها حُكم الحوالة، وإنْ لم تكن بلفظِ الحوالة، فهي حمالة...".



القول الخامس: يمكن اعتبارُ هذه النسبة أجورَ سمسرة، فمِن الجائز أنْ أرسل إليك زبائنَ على أنْ أتقاضى منك أجرًا مقطوعًا عن كلِّ زبون يصِل إليك، أو عن كلِّ زبون يشتري منك حسبَ الشرط، وهذا ما يُؤدِّيه مصدر البطاقة للتاجِر، إضافة إلى بعضِ الخدمات المقدَّمة مِثل تحصيلِ فواتير الشراء، وخِدمة الإيداع المباشِر في الحساب، ونحو ذلك، وبناء على ذلك فإنَّه يستحق عِوضًا مقابل هذه الخِدمات، وقد تمَّ الاتفاق على أن يُؤخَذ هذا العوض عن طريقِ خصم نِسبةٍ معلومة مِن قيمة مبيعات قابل البطاقة.



حُكم أخْذ العوض بناءً على هذا التكييف:

يجوز أخذُ هذا العوض بناءً على هذا التكييف، سواء كانتْ هذه العمولة في صورة مبلَغ مقطوع، أو نسبةٍ مِن قِيمة المبيعات، فهذا لا يؤثِّر شرعًا على صحَّتها، ويمكن لمُصدِر البطاقة وبنك التاجِر أن يتقاسمَا هذه العمولةَ؛ لاشتراكهما في تقديمِ الخِدمة للتاجر.



ونوقش هذا التكييف:

لا يشكُّ أحدٌ في جوازِ عقْد السمسرة بانفراده، لو لم يكُنْ ذلك مشروطًا في عقْد الضمان، فالبنك قد الْتَزم للتاجر بالسداد مقابلَ خصم هذه العمولة مِن قِيمة فاتورة الشراء، فأصبحْنا أمامَ عقدين:

أحدهما: يجوز أخذُ العِوض عليه، وهو السمسرة.

والثاني: لا يجوز أخْذُ العوض عليه، وهو ضمانُ الدَّين.



فإذا اجتمعَا فإمَّا أن تُقدَّم السمسرة مجَّانية، فيزول المحذور الشرعي، وإما أن يَبطُل العقدان معًا؛ لأنَّ اجتماعهما قد يؤدِّي إلى أخذ العوض على الضمان في عقْدٍ مستترٍ، هو السمسرة، وسيأتي مزيدُ بيان لأدلَّة هذا القول عندَ الكلام على الترجيح.



موقِف المصارف الإسلاميَّة والهيئات الشرعية من أخذ العمولة على التاجر:

أجازتْ أخذَ هذه العمولة الهيئةُ الشرعية في شركة الراجحي في فتواها رقم (47)، والهيئةُ الشرعية لبيت التمويل الكويتي.



كما أجازتِ الهيئةُ الشرعية لبنك البلاد أخْذَ العمولة من التاجِر في قرارها رقم (16)، وموضوعه ضوابط البطاقات الائتمانية، ففي الوقت الذي رأتِ الهيئة أنَّ تكييف العلاقة بين البنك المصدِر للبطاقة وقابل البطاقة (التاجر) أنَّها علاقة ضمان وسمسرة، رأتْ أنَّ الرسوم المأخوذة من التاجر جائزةٌ مطلقًا، سواء أكانتْ نِسبة، أم مبلغًا مقطوعًا؛ لأنَّ تكييف هذا المبلغ أُجرة على السمسرة، وهي جائِزة، وغضَّتِ الطرْفَ عن اجتماع السمسرة مع عقْد الضمان، وأحدهما يجوز أخذُ العوض عليه، والآخَر يحرُم أخذ العوض عليه، فإذا كان لا يجوز اجتماعُ البيع أو الإجارة مع القَرْض، لم يجزْ اجتماع الإجارة (السمسرة) مع الضمان.



كما أجاز ذلك البنكُ الإسلامي الأردني، وندوةُ البركة الثانية عشرة للاقتصادِ الإسلامي بجواز أخْذْ العمولة من التاجر.



ومع تقديري لجميعِ الهيئات الشرعيَّة العاملة في المصارف، وتثمين الجهودِ المبذولة في سبيلِ أسلمة المصارف، وحِرْصها التام في ضبط تلك العمليات بما يُوافِق الشَّرْع إلا أنَّ إطلاقها للجواز غيرُ سديد.



فالراجح أنَّ خصم المبلغ على التاجِر مقابلَ ثلاثة أمور:

الأول: تكاليف فِعلية يُقدِّمها مُصدِر البطاقة للتاجر، وهذه يجوز تحميلها المستفيدَ منها، ولا يُسمَّى هذا معاوضة؛ لأنَّ البنك يستردُّ ما أنفقه مِن هذه الجهود على المستفيدين دون أن يَرْبَح عليهم من جرَّاءِ ذلك، سواء كان المستفيد حاملَ البطاقة أو كان المستفيدُ هو التاجرَ، وإذا كانتْ تكاليف القرْض يجوز أخذها مِن المقترض، فتكاليف الضمانِ كذلك، وهذه يَنبغي أن يُعلم أنَّها لا تدخُل في باب المعاوضات أصلاً.



ولا شكَّ أنَّ البنك يحتاج في عملية تحصيل قِيمة المبيعات، وما يتبع ذلك مِن أعمال وإجراءات إدارية إلى توظيفِ كفاءاتٍ متخصِّصة، يتقاضون أجورًا عاليةً على مِثل هذه الأعمال التي تحتاج إلى الكثيرِ مِنَ التعب والتكلفة والمعاناة، فإنَّه مِن غير المعقول أن يُقدِّم البنك مُصدِر البطاقة مِثلَ هذه الخدمات نيابةً عن التاجر مجَّانًا، إلاَّ أنَّ هذا المبلغ يجب أن يكونَ مقطوعًا، ولا يحتسب بنسبة مِئوية من مبلغ الفاتورة؛ لأنَّ إجراءاتِ العملية ذات المبلغ الكبير هي نفسُ إجراءات العملية ذات المبلغ القليل.



الثاني: أخْذ مبلَغ مقابل التزام البنك بالسدادِ للتاجر، وهذا لا يجوز؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أخْذ العوض على ضمانِ الدَّين، وهو محرَّم بالإجماع عند المتقدِّمين، خلافًا لبعض المعاصرين.



الثالث: أخْذُ مبلغ مقابل خِدمات غير مباشِرة للتاجر، مثل السمسرة والإيداع في الحسابِ، واحتساب ذلك بنسبة مئوية مِن مبلغ الفاتورة.



وهذه يجوز أخْذُ العوضِ عليها، وطلب الربح مِن جرَّاء تقديمها للتاجر، لو كانتْ تُقدَّم بشكل منفرد، أو مع خِدمات مباحة، أما إذا اجتمعتْ مع الضمان، فإنَّه لا يجوز أخْذُ العوض عليها حتى تفصل عن الضمان؛ حتى لا يُؤدِّي ذلك إلى أخذِ العوض على الضمان بالاختباء وراءَ سِتار هذه الخدمات.



فالراجح في العقود المشترَكة مَنعُ الجمْع بين كل عقدين يترتَّب على الجمع بينهما محظورٌ شرعي، وإنْ كان كلُّ واحد منهما جائزًا بمفرده.



من ذلك: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سَنَة، على أن أشتريَها منك بثمانين حالَّة، وهذا بيع العِينة المنهي عنه، فاجتماعُهما أدَّى إلى المنع، وإنْ كان كلٌّ منهما جائزًا بانفراده.



ومنه لو باع عليه ذهبًا، واشترَط عليه أن يشتريَ منه بثمنه ذَهبًا آخر، فإنَّه حِيلة لمبادلة الذهب بالذهب مع التفاضُل.



ومنه لو باعه الجمْع (التمر الرديء) بالدراهم، ثم ابتاع منه بالدراهم جَنيبًا (تمرًا طيبًا)، وكان ذلك عن مواطأة.



فليس كلُّ عقد جاز منفردًا جاز مضمومًا إلى غيره، فهذا عقْدُ القرض جائزٌ بالإجماع، وعقد البيع جائزٌ بالإجماع، وإذا باعه بشرْط أن يُقرِضَه حرُم ذلك بالإجماع؛ لما رواه أبو داود الطيالسيُّ مِن طريق حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبدِالله بن عمرو، قال: نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن سلَف وبيْع، وعن شرْطَيْن في بيع، وعن بيْع ما ليس عندَك، وعن رِبْح ما لم يضمن؛ إسناده حسن، وسبَق تخريجه.



والمراد بالسَّلَف: هو القَرْض في لُغة الحجاز، فنهَى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهَى عنِ الجمع بين البيع والقرض، وإنْ كان كلُّ واحد منهما صحيحًا بانفراده؛ لأنه ربَّما حاباه في البيع لأجلِ القرْض، فيؤدِّي إلى أن يجرَّ القرضُ نفعًا للمقرِض، فلمَّا كانت الفائدة على القرْض ربَّما تستتر بعقْد البيع نهَى عنها الشارع.



وقد حكَى الإجماعَ غيرُ واحد من أهل العلم على تحريمِ اشتراط البيع مع عقْد القرض؛ منهم الباجي في "المنتقى"، والقرافي في "الفروق"، والحطَّاب في "مواهب الجليل"، والزركشي في "البحر المحيط"، وابن قدامة في "المغني".



إذا عُلِم ذلك نأتي إلى مسألتنا، فإذا كان تقديمُ الضمان للتاجر مشروطًا في أخْذ العوض على تلك الخِدمات، فإنَّ أخْذَ العوض على تلك الخدمات حينئذٍ يكون محرَّمًا؛ خشية أن يؤدِّي ذلك إلى أخْذ العوض على الضمان بعقْدٍ مستترٍ باسم الأُجرة على تقديمِ تلك الخدمات، والله أعلم.



ولا فَرْقَ في تحريم أخْذِ العوض على الضمان أن يكون الدافعُ للعوض هو المضمونَ عنه (المدين)، أو المضمونَ له (الدائن) في الحُكم الشرعي؛ لأنَّ ذلك في كِلا الحالين سيؤدِّي إلى قرْضٍ جَرَّ نفعًا.



جاء في "شرح الخرشي": "تَبطُل الحمالة إذا فسدتْ نفسها، كما إذا أخذ الضامنُ جُعلاً من ربِّ الدَّين، أو مِن المدين، أو مِن أجنبي؛ لأنَّه إذا غرم رجَع بما غرِمه مع زيادة الجُعل، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه سَلَف بزيادة"، وهذا هو القول الراجِح - فيما أرى، والله أعلم.



يتبع....

avatar
شموخ

<b>المساهمات</b> المساهمات : 21

<b>النقط</b> النقط : 5713

<b>تاريخ التسجيل</b> تاريخ التسجيل : 20/03/2011


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى